دائمًا ما كانت مصر هي حجر الزاوية واللاعب الرئيسي في ملفات إعادة الإعمار والتنمية على مستوى الشرق الأوسط وأفريقيا، وذلك استنادًا لما تمتلكه من مقومات وخبرات متراكمة في مشروعات الإعمار والبناء المختلفة، وهو الأمر الذي يتماشى دوما مع قناعات الدولة المصرية الراسخة بحتمية تقديم الدعم والمساندة المتواصلة والتاريخية للدول الشقيقة والتي عانت ويلات العنف والعدوان، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
فبالتزامن مع تصاعد الحديث عن مشروعات إعادة إعمار غزة بعد العدوان الإسرائيلي الصارخ الذي استمر لأكثر من 16 شهرًا، يبْرُزُ الدور المصري مُجدَّدًا بوصفه الرهان العربي الوحيد لإنقاذ ما تبقى من القضية الفلسطينية أمام محاولات التصفية والتهجير، وذلك من خلال ما تبنته الدولة المصرية من خططٍ واضحة لإعادة إعمار القطاع دون الحاجة إلى أي تهجير لأبناء الشعب الفلسطيني، وفي مدد زمنية وبتكلفة تفوق ما تم تقديره من جانب العديد من المؤسسات العالمية، الأمر الذي استقبلته الشركات والقطاع الخاص المصري بتأهب كبير لتلبية احتياجات مشروعات إعادة الإعمار، وذلك في ضوء ما تمتلكه من فوائض وقدرات إنتاجية تؤهلها لإنجاز الدور المرجو منها وفق الأطر الزمنية المطلوبة.
«أموال الغد» رصدت أبرز المؤشرات الخاصة بصناعات مواد البناء المصرية واستكشاف حجم الفوائض الإنتاجية المتاحة بها والتي يمكن أن تسهم إيجابًا في تنفيذ الرؤى المصرية والعربية المقررة لمشروعات إعمار القطاع خلال الفترة المقبلة.
بدء تسليم أراضي الإسكان الاجتماعي للفائزين بمدينة السادات…الأحد المقبل
التقديرات العالمية
أحدث التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة تشير إلى وجود أكثر من 42 مليون طن من الركام في غزة، بما يُعادل 14 مرة كمية الأنقاض المتراكمة في غزة بين 2008 وبداية الحرب في أكتوبر 2023، وأكثر من 5 أمثال الكمية التي خلفتها معركة الموصل في العراق بين عامي 2016 و2017، الأمر الذي يتطلب ما يزيد على 14 عامًا لإزالة ذلك الركام وبتكلفة تصل لنحو 1.2 مليار دولار.
التقارير أفادت كذلك بوجود أكثر من 1.8 مليون شخص بلا مأوى داخل غزة، فيما قد تستمر عملية إعادة بناء المنازل المدمرة في القطاع حتى عام 2040 على الأقل، وسط توقعات بوصول تكلفة إعادة الإعمار، بحسب مؤسسة “راند” الأمريكية لأكثر من 80 مليار دولار، بجانب احتياج اقتصاد القطاع لـ350 عامًا للتعافي من آثار العدوان الإسرائيلي.
أيضًا تتجلى في الأفق معاناة ما يزيد على مليوني شخص داخل غزة من انعدام الأمن الغذائي، في وقت وصلت فيه معدلات الفقر في القطاع إلى 100%، إذ تسبب العدوان الإسرائيلي في تدمير أو تسوية ثلثي مباني القطاع بالأرض، تضرر على إثرها أكثر من 170 ألف مبنى، ما يعادل نحو 69% من إجمالي المباني.
هذه الأضرار شملت نحو 300 ألف وحدة سكنية، أي ما يعادل 90% من منازل القطاع، وفق تقديرات أممية، فيما يحتاج أكثر من 1.8 مليون شخص حالياً إلى مأوى، حسب مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية.
ووفق تقرير مشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي صدر العام الماضي، بلغت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في غزة نحو 18.5 مليار دولار، وشملت هذه الخسائر المباني السكنية والتجارية، بالإضافة إلى المدارس، والمستشفيات، والمصانع، ومحطات الطاقة.
وزير الإسكان يُصدر قرارات إزالة تعديات ومخالفات بناء بمدينتي الفشن وبني مزار الجديدتين
رؤية منظمات الأعمال
المهندس فتح الله فوزي نائب، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، رئيس لجنة التطوير العقاري والمقاولات، أكد أن قطاع التشييد المصري قادر على المساهمة بقوة في مشروعات إعادة إعمار غزة، سواء من حيث صناعات مواد البناء، أو المكاتب الاستشارية، أو شركات المقاولات والتطوير العقاري.
أضاف أن قطاع التشييد المصري اكتسب خبرات جيدة خلال السنوات الثماني الماضية في زيادة مساحة العمران، مثل بناء العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وغيرهما من المدن الجديدة، والتي تم تدشينها من خلال الأيادي المصرية، وما تم اكتسابه من خبرات ستكون مفيدة.
وأكد فوزي قدرة الكيانات المصرية على المشاركة بقوة في عمليات إعادة العمران بغزة، إذ من المتوقع استحواذ مصر على ما يصل لما بين 70 و80% من حجم تلك العمليات، لما تمتلكه من خبرات وعدد الشركات وعمالة، فضلا عن القرب الجغرافي.
أوضح أن الشركات المصرية تمتلك كذلك العديد من المقومات والمزايا النسبية التي قد تمثل لها نقطة الانطلاق الرئيسية بمشروعات إعمار غزة، لتتمثل في توافر العمالة وانخفاض التكلفة في ظل وجود حدود مباشرة بين مصر والقطاع.
لفت أيضًا إلى أن عدد شركات المقاولات في مصر زاد على مدار السنوات العشر الماضية، إذ لم يكن في القاهرة إلا شركتان كبيرتان فقط منذ 15 عامًا، إلا أن الاستثمارات العمرانية الضخمة التي نفذتها الدولة خلال الأعوام الماضية، أدت إلى وصول عدد الكيانات في مشروع مثل العاصمة الإدارية بمفرده لنحو 20 شركة.
نوه فوزي بأن هناك ترقبًا لدى الشركات لحجم التمويل الخاص بإعادة الإعمار، وكذلك لخطة التنفيذ من أجل بدء عملية الإعمار، مشيرا إلى تطلع الكيانات المصرية لتعزيز التعاون المشترك فيما بينها لتنفيذ التوجيهات التي ستحددها الدولة المصرية لتنفيذ مشروعات الإعمار بالشكل المطلوب.
مزايا مصرية
الدكتور وليد جمال الدين، عضو المجلس التصديري لمواد البناء، أكد أن مصر ستستحوذ بدورها على نصيب الأسد من مشروعات إعادة إعمار غزة، خاصة في ظل القرب الجغرافي، ووجود فوائض إنتاجية ضخمة لدى العديد من الشركات العاملة بمشروعات صناعات مواد البناء والتشييد.
قال إن شركات مواد البناء المصرية قادرة وبقوة على توفير احتياجات إعادة إعمار غزة في ظل ما تمتلكه من طاقات إنتاجية وخبرات كبيرة، منوها بأن هناك طاقات إنتاجية معطلة في المصانع، إذ تختلف نسبة تشغيل المصانع في كل قطاع.
تابع جمال الدين أن قطاع الحديد لديه فائض في الإنتاج يصل لنحو 25%، وقطاع الأسمنت نحو 50%، والسيراميك نحو 50%، والأدوات الصحية نحو 20%، فضلا عن فوائض إنتاج في كثير من القطاعات الأخرى.
لفت إلى أن الشركات جاهزة ومستعدة لتوفير جميع احتياجات إعادة الإعمار، ولكن يتوقف ذلك على بدء تنفيذ خطة الإعمار، وكذلك توفير التمويل اللازم لذلك، فضلا عن أهمية وجود شراكات مع الكيانات الأجنبية التي ستسعى للمشاركة في إعادة الإعمار عبر معبر رفح لعدم فقدان تلك الفرصة.
أكد جمال الدين أن توفير التمويل اللازم لإعادة أعمار غزة مع خطط واضحة ومحددة للتنفيذ، يساعد على زيادة دور الشركات المصرية في المشاركة، وكذلك ينعكس ذلك بالإيجاب على صادرات قطاع مواد البناء التي تخطت العام الماضي 10 مليارات دولار، إذ يمكن مضاعفة هذا الرقم.
تكلفة الإعمار
قال المهندس علاء السقطي، نائب رئيس الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين، إن التكلفة المبدئية لإعادة إعمار غزة وفقًا للحسابات المصرية تتراوح ما بين 20 و27 مليار دولار، وهو ما يقل عن تقديرات الأمم المتحدة.
تابع أن مشروع رأس الحكمة على سبيل المثال يعد 4 أضعاف مشروع إعادة إعمار غزة وهو ما يظهر قدرة وإمكانيات الشركات المصرية في التنفيذ، والذي تستطيع أن تؤديه كل سهولة، ولكن يتوقف ذلك على ضمان تأمين وجود هذه الشركات في غزة.
أضاف أن الشركات المصرية حاليًا تسهم وبقوة في إعادة إعمار العراق، وهي على استعداد لنقل خبراتها وإمكانياتها إلى غزة والمساهمة في إعادة الإعمار، مع التأكيد مرة أخرى على أهمية الاستقرار السياسي والأمني في قطاع غزة لتشجيع الشركات على المشاركة.
أشار السقطي إلى وجود قطاعات كثيرة لديها فرص للمشاركة مثل مواد البناء والمقاولات والأثاث والأجهزة المنزلية، وهناك قدرات إنتاجية متوافرة، فضلا عن وجود مقترح لتدشين وحدات تجميع لبعض المنتجات المصرية في غزة وتوريد مستلزماتها من مصر.
قدرات مصانع الأسمنت
أحمد شيرين، رئيس شعبة الأسمنت بغرفة مواد البناء باتحاد الصناعات المصرية، قال إن مصر لديها طاقات إنتاجية فائضة من مواد البناء والخامات التي تحتاج إليها مشروعات إعادة الإعمار، مشيراً إلى أن متوسط استهلاك السوق المصرية من الأسمنت خلال العام الماضي 2024 بلغ نحو 47 مليون طن، فيما يصل حجم الطاقات الإنتاجية المرخص بها لمصانع الأسمنت نحو 75 مليون طن، بما يعني وجود فوائض إنتاجية للتصدير وللمساهمة بمشروعات الإعمار تصل لنحو 28 مليون طن سنويًا.
تابع شيرين أن الطاقات الإنتاجية القصوى الفعلية لشركات الأسمنت تتجاوز حد الـ90 مليون طن سنويًا، لافتًا إلى أن القطاع اعتمد بشكل رئيسي خلال الأعوام الأخيرة على المشروعات القومية في ظل تراجع معدلات الطلب الفردية، وارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل اللازمة في الصناعة.
في السياق نفسه، قال رئيس شعبة الأسمنت السابق بغرفة مواد البناء باتحاد الصناعات، مدحت إسطفانوس، إن شركات الأسمنت المصرية لديها القدرة على تلبية الاحتياجات الخاصة بإعمار غزة أو غيرها من البلدان العربية، إذ لدينا القدرة على إنتاج ما يقرب من 90 مليون طن سنويًا من الأسمنت.
أكد أن حجم الإنتاج الحالي لا يتجاوز 50 مليون طن، وذلك نظرًا لضعف حجم الاستهلاك المحلي، بما يعني وجود فائض كبير يمكن توجيهه لإعمار غزة أو غيرها من البلدان العربية، بنحو يصل إلى 40 مليون طن، لافتا إلى أن عملية الإعمار تؤدي إلى انتعاش حركة السوق وعمل الشركات بكامل طاقتها الإنتاجية، وفقا لإسطفانوس.
صناعة الحديد
محمد حنفي مدير غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات المصرية، أكد أن مصر تمتلك نحو 35 مصنعاً للحديد والصلب بطاقة إنتاجية تبلغ 15 مليون طن، في حين أن المصانع تنتج فقط نحو 8.5 إلى 9 ملايين طن، بما يعني وجود فوائض إنتاجية تكفي لاحتياجات مشروعات إعادة الإعمار داخل قطاع غزة.
أشار إلى أن المصانع تعمل حاليا بنحو 55 إلى 60% من طاقتها الإنتاجية، إذ تعمل بعض المصانع بنحو 40% من طاقتها الإنتاجية، والبعض الآخر يعمل بنحو 80% من طاقته الإنتاجية، منوها بأن المساهمة في بدء إعمار غزة ستكون فرصة جيدة للشركات المصرية لتصدير الفائض لديها، خاصة أن الأسواق الأمريكية والأوروبية يوجد بها بعض المشاكل خلال الفترة الحالية.
تابع حنفي أن حجم إنتاج السوق المحلية من الحديد والصلب بلغ خلال العام الماضي نحو 9 ملايين طن، منها 7 مليون طن تم توجيهها للسوق المحلية، فيما تم تصدير نحو مليوني طن من الصلب بمختلف أشكاله.
لفت إلى أن حركة الطلب بالسوق المحلية ضعيفة في ظل توقف حركة البناء ووقف التراخيص، ومن ثم إعادة إعمار غزة ستكون فرصة لاستغلال الشركات الطاقات الإنتاجية غير المستغلة، وتنشيط المبيعات.
من ناحيته، قال أيمن العشري، رئيس شركة العشري للصلب، إن هناك قدرات إنتاجية كبيرة وفوائض ضخمة بما يؤهل الشركات لتحقيق التطلعات المصرية وتنفيذ خطط إعادة إعمار القطاع، مشيراً إلى أن قطاع الحديد سيشهد زيادة كبيرة في الإنتاج العام الحالي، مستفيدًا من عمليات إحياء غزة التي تستعد الشركات للمشاركة فيها خلال الفترة المقبلة.
أضاف العشري أن شركته تنتج نحو مليون طن سنويًا من الحديد، ومن ثم لديها طاقات إنتاجية فائضة يمكنها المساهمة في إعادة إعمار غزة.
تطلعات فلسطينية
كشف عامر عرفة، رئيس اتحاد الصناعات الجلدية الفلسطينية، عن سعي الاتحاد للاستفادة من التجربة المصرية في إقامة مدينة الجلود بالروبيكي، لنقلها والاستعانة بها في تدشين منطقة صناعية للجلود والمنتجات الجلدية والأحذية.
لفت إلى سعي الاتحاد لإقامة قرية حرفية للصناعات الجلدية في منطقة الخليل، موضحا أنه تم شراء أرض بمساحة 3300 متر مربع استعدادًا لبدء تنفيذ المشروع.
قال إنه تم الحصول على موافقة وزارة الصناعة الفلسطينية لإقامة هذه المنطقة، وسيتم في وقت قريب وضع حجر الأساس الخاص بها تحت رعاية الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، منوها بأن هناك تمويلا من الحكومة الإيطالية للبنية التحتية للمنطقة بقيمة 5 ملايين يورو، كما ستكون هناك تمويلات من مانحين آخرين مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.
أشار عرفة إلى أن هذه المنطقة ستكون متكاملة ما بين مدابغ للجلود ومصانع منتجات جلدية وأحذية وأيضًا منطقة لوجيستية لتسهيل عمليات النقل والتصدير، موضحا أنه سيشارك بها نحو 170 عضوًا من أعضاء الاتحاد، فيما يصل عدد المدابغ المشتركة لنحو 16 مدبغة.
وتوقع أن تصل استثمارات هذه المنطقة لنحو 100 مليون دولار، إذ من المرجح الانتهاء منها وتشغيلها خلال 3 سنوات، موضحا أنه ستتم الاستعانة بالتجربة المصرية الناجحة في إقامة مدينة الجلود بالروبيكي بالاطلاع على مخططات المدينة وخطط التنفيذ من أجل نقل الخبرة المصرية بهذا الصدد.
لفت عرفة إلى توقيع بروتوكولات تعاون مع كل من غرفة صناعة الجلود باتحاد الصناعات المصرية وشعبة الجلود بغرفة القاهرة التجارية بهدف تبادل الخبرات وزيادة التعاون بين الجانبين ورفع حجم التجارة بين مصر وفلسطين بمجال الجلود والصناعات الجلدية.
وأكد أن الصناعة المصرية في مجال المنتجات الجلدية والأحذية شهدت تطورا كبيرا على مدى السنوات الخمس الماضية لتضاهي المنتجات العالمية، منوها بأن حجم التبادل التجاري بين مصر وفلسطين بهذا المجال ما زال ضعيفا نتيجة مشكلات الشحن وصعوبة دخول البضائع خلال المرحلة الماضية، وهو ما نأمل في تغييره خلال الفترة المقبلة مع انتهاء الحرب في غزة.
أشار عرفة إلى أنه سيتم توجيه دعوة للمستثمرين ورجال الأعمال المصريين لحضور مؤتمر الاستثمار المقبل في فلسطين، وذلك بالتنسيق مع اتحاد الصناعات الجلدية والاتحاد العام للصناعات الفلسطينية، والعمل على حصولهم على الموافقات الأمنية لدخول الأراضي الفلسطينية.
بدء تسليم أراضي الإسكان الاجتماعي للفائزين بمدينة السادات…الأحد المقبل
تابعونا لمزيد من التغطيات الحصرية والمحتوي المتنوع عبر أقسامنا المتجددة، حيث نقدم لكم أحدث أخبار وتقارير علي مدار الـ24 ساعة، وأحدث أخبار مصر و اقتصاد وبنوك وبورصة إلي جانب تغطية حصرية من خلال سفارات وجاليات ، وتغطية شاملة للتطوير العقاري من خلال قسم عقارات ونتشارك في الترويج للسياحة والآثار المصرية من خلال قسم سياحة وآثار ، إضافة لأخبار خاصة في قسم ثقافة وفنون و علوم وتكنولوجيا ومنوعات ، كما نولي اهتمام خاص بـ الرياضة و المرأة ونقدم لكم كل يهم التعليم والطلاب من خلال أخبار الجامعات .