صناعة النسيج تعود ببطء إلى مصر وتستفيد من تسهيلات أميركية
تستثمر مصر بكثافة في صناعة النسيج لإنعاش الشركات الحكومية المتعثرة، ولكن مع انخراط الولايات المتحدة في حرب تجارية عبر الرسوم الجمركية فإن الدعم الذي يحتاجه القطاع يأتي من المستثمرين الأجانب الذين يؤسسون أعمالهم بالبلد للاستفادة من الصادرات المعفاة من الضرائب ضمن برنامج المناطق الصناعية المؤهلة (كويز).
أونكتاد: تصاعد التوترات التجارية يهدد النمو العالمي والاقتصادات الضعيفة الأكثر تأثرًا
تدرّ صناعة النسيج والملابس عائدات كبيرة لمصر بلغت بنهاية العام الماضي نحو 3.93 مليار دولار من الصادرات وهو قطاع يُشغّل عددًا كبيرا من القوى العاملة، حيث يعمل فيه أكثر من 1.5 مليون شخص.
ولطالما حرصت الحكومات المتعاقبة على تعزيز القطاع لتصبح البلاد مركزًا صناعيًا ينافس بنغلاديش وفيتنام وباكستان وتركيا، التي أصبحت جميعها من أبرز مُصنّعي الملابس عالميًا على مدى العقود القليلة الماضية.
ولأسبابٍ عديدة، لم تكتسب مصر مزيدا من المكانة، لكن أحد العوامل الرئيسية، بحسب بول كوركين الصحافي المستقبل الذي يغطي شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، هو تأخر الشركات المملوكة للدولة في التأقلم مع السوق العالمية أو مواكبة احتياجات مُصنّعي القطاع الخاص المحليين.
كما لم تتمكن من تجاوز كونها مركزا للخياطة والقص، الذي يقتصر على العمالة منخفضة الأجر والمهارات، من خلال تطوير إنتاج ذي قيمة مضافة يُولّد أرباحًا أعلى ويوفر المزيد من الوظائف عالية المهارة، وهو ما استطاعت تركيا تحقيقه بصناعتها المتكاملة تمامًا.
وتمتلك مصر سلسلة القيمة الكاملة، حيث تُنتج أحد أفضل أنواع القطن في العالم، ولديها مرافق للغزل والنسيج، والآلاف من المصانع التي تُصنّع الملابس.
ولكن ما ينقصها، وفق تقرير أعده كوركين ونشرته منصة عرب دايجست، هو التآزر، وأيضا وفورات الحجم، خاصة في صناعة الغزل والنسيج، لتكون قادرة على المنافسة دوليًا.
واعتمد القطاع الخاص الموجه نحو التصدير عادة على مصادر خارجية، لاسيما الصين والهند وتركيا، نظرا إلى انخفاض الأسعار والجودة الأفضل التي تناسب المشترين الدوليين.
وكان من المفترض أن يكون قرار الحكومة عام 2019 بإنفاق 50 مليار جنيه (980 مليون دولار) لتجديد قطاع الغزل والنسيج من خلال الاستثمار في 65 منشأة مملوكة للدولة خطوة في الاتجاه الصحيح.
وتشمل هذه الاستثمارات “أكبر مصنع غزل ونسيج وأكثرها تطورًا في العالم” المعروف سابقًا باسم مصنع “الغزل 1″، والذي تديره شركة مصر للغزل والنسيج المملوكة للدولة، في مدينة المحلة الكبرى، والذي اكتمل بناؤه أواخر عام 2024.
ومع ذلك، لم يلمس القطاع الخاص الفوائد بعد، حيث يقول مطلعون على الصناعة إن الشركات المملوكة للدولة لم تستشر السوق بشأن احتياجاتها، ولم تُدمج في سلسلة التوريد بأكملها.
وعلاوة على ذلك، لم يتضح بعد ما إذا كانت أسعار القطن والغزل ستكون أقل من الواردات، ما سيشجع المنتجين على شراء المنتجات المحلية.
«انقسام داخلي».. ولاية كاليفورنيا تقود عصيان ضد رسوم ترامب الجمركية
وأوضح كوركين الذي يكتب لشبكة معلومات النسيج العالمية (ويتين) أنه حتى الآن، يبدو أن الطاقة الإنتاجية الجديدة موجهة أكثر نحو التصنيع للسوق المحلية والصناعات العسكرية، أكثر من التصدير.
وفي حين أنه من السابق لأوانه، بلا شك، تقييم نجاح هذه الاستثمارات الحكومية، إلا أنها لم تُحدث تغييرًا جذريًا كما أشارت صحيفة الإندبندنت المصرية، بل إن ما يُحدث تغييرًا جذريًا هو إعادة هندسة سلسلة التوريد العالمية منذ جائحة كوفيد.
ويسعى المشترون إلى الحصول على الإمدادات من موردين أقرب، وهو ما يُعرف بـ”الاستعانة بموردين قريبين”، بالإضافة إلى تنويع الإنتاج.
وحظي هذا التوجه بالمزيد من الزخم هذا العام عبر فرض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسومًا جمركية على الواردات، بما في ذلك الملابس والمنسوجات من الموردين الرئيسيين الصين والمكسيك.
ومن المفترض أن تتمكن مصر من الاستفادة من وصولها المعفى من الرسوم إلى السوق الأميركية من خلال نظام غير معروف، وهو المناطق الصناعية المؤهلة (كويز)، لجذب المستثمرين والمشترين للالتفاف على التعريفات الجمركية.
وتهدف كويز، التي أنشأها الكونغرس الأميركي في عام 1996، وتعمل منذ عام 2004، إلى تطبيع العلاقات الإسرائيلية مع مصر والأردن، حيث يشترط أن يكون 10.5 في المئة من أيّ منتج من إسرائيل.
وعلى مدار العقدين الماضيين، استقطبت كويز المصرية أكثر من 1200 شركة، معظمها من مصنعي الملابس، والتي تمثل ما يقرب من 90 في المئة من صادرات هذه المناطق، بقيمة 1.19 مليار دولار خلال العام الماضي.
وفي عام 2023، شكلت منتجات كويز 48 في المئة من إجمالي صادرات مصر إلى الولايات المتحدة و50 في المئة من الصادرات غير النفطية.
وليس موقع مصر واتفاقياتها التجارية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فقط ما جعلها جذابة، فتكاليف العمالة المنخفضة، حيث يبلغ الأجر الشهري للعامل 6 آلاف جنيه (194 دولارا)، أقل بكثير من مثيلاتها في تركيا أو الصين.
وتكاد تكون أجور العمال في القطاع بمصر على قدم المساواة مع الشركات المصنعة في جنوب شرق آسيا، كما أن تكاليف الطاقة منخفضة أيضا.
في الواقع، تنتقل ورش العمل المستغلة من وجهة منخفضة الكلفة إلى أخرى بمجرد ارتفاع التكاليف، وعلى مدار العقد الماضي، اعتُبرت أفريقيا آخر قارة ناضجة للاستغلال.
ومع ذلك، لم تثبت محاولات تطوير مراكز أفريقية نجاحًا كبيرًا، رغم أن هذا كان لصالح مصر. وعلى سبيل المثال، كانت إثيوبيا تُعتبر نجمًا صاعدًا في صناعة الملابس الأفريقية حتى اندلاع نزاع تيغراي.
وفي ذلك الوقت أوقفت واشنطن عضويتها في قانون النمو والفرص في أفريقيا (أغوا) الذي يسمح بصادرات معفاة من الضرائب إلى السوق الأميركية في يناير 2022. ومنذ ذلك الحين، انهار قطاع صناعة الملابس في إثيوبيا.
وأقام مستثمرون صينيون وأتراك وغيرهم من المستثمرين الأجانب أعمالهم في مصر في السنوات الأخيرة، وشهد هذا العام موجة من الاهتمام للاستفادة من التكاليف المنخفضة ومناطق كويز، وفقا لمصادر مطلعة.
وعلاوة على ذلك، فإن مناطق التصنيع المؤهلة لن تختفي، ما لم تخضع لحملة مستمرة من قبل حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات أو يسحب البيت الأبيض البساط منها.
وكان هناك حديث السنوات الأخيرة عن خفض حصة التوريد من إسرائيل، من 10.5 إلى 8 في المئة، لكن هذا لم يحدث، بينما قال أحد الصناعيين المصريين لكوركين أن كويز “مفيدة لجميع الأطراف المعنية.”
ومع استمرار دعم واشنطن الكامل لإسرائيل، وكذلك لمصر، من الطبيعي أن ترغب واشنطن في استمرار منطقة كويز. كما أن الولايات المتحدة ستحتاج إلى مورد ملابس رخيص وموثوق به نظرًا لفرض رسوم جمركية على دول أخرى.
وفي العام الماضي، ارتفعت صادرات مصر من الملابس إلى الولايات المتحدة بنسبة 17 في المئة، ومن المتوقع أن تشهد نموًا مزدوجًا في عام 2025. ويقول كوركين “يبقى أن نرى ما إذا كانت الشركات المملوكة للدولة في مصر ستحصل على أيّ نصيب من هذه الكعكة المتنامية.”
تابعونا لمزيد من التغطيات الحصرية والمحتوي المتنوع عبر أقسامنا المتجددة، حيث نقدم لكم أحدث أخبار وتقارير علي مدار الـ24 ساعة، وأحدث أخبار مصر و اقتصاد وبنوك وبورصة إلي جانب تغطية حصرية من خلال سفارات وجاليات ، وتغطية شاملة للتطوير العقاري من خلال قسم عقارات ونتشارك في الترويج للسياحة والآثار المصرية من خلال قسم سياحة وآثار ، إضافة لأخبار خاصة في قسم ثقافة وفنون و علوم وتكنولوجيا ومنوعات ، كما نولي اهتمام خاص بـ الرياضة و المرأة ونقدم لكم كل يهم التعليم والطلاب من خلال أخبار الجامعات .